ألم ترعك جحافلهم كل ليلة؟
- قبل يوم واحد
- 2 دقيقة قراءة
مضى والدي رحمه الله تعالى إلى جوار ربه، وكان قد حدثني قبل وفاته بتسع سنوات عن منام رآه؛ أنه رأى فيما يرى النائم أنه يجلس في مجموعة متحلقة في المسجد النبوي، وبجوار مجموعته مجموعات تشبهها. وكان رجل يدخل تلك المجموعات للجلوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دخلت مجموعته الحجرة النبوية، وتشرفت بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى المنام.
في مثل هذه الليالي الرمضانية، أتذكر دائمًا ذلك المنام؛ لارتباطه في ذهني بمجموعات وجحافل تسير كل ليلة من رمضان لتحط رحالها في الجنة، وهي لا تزال تحيا معنا وتساكننا اليوم.
ربما جارك في صف الصلاة، أو حتى جارك في المسكن، أو ربما أنت، أو صديقك، أو أخوك، أو زوجك، أو ولدك… وربما أنتم جميعًا قد نلتم شرف العتق الأبدي من النار هذا الشهر، أو في رمضانات سلفت.
لا سبيل إلى معرفة العتيق الذي يهنأ، ولا سبيل إلى تعيين المحروم الذي يُعزّى؛ فالأمر غيب محض، ونحن نؤمن بالغيب. فالقضية حاصلة قطعًا، والأمر واقع صدقًا.
مشروع العتق الأبدي من النار تُفتح سوقه كل ليلة من رمضان؛ أبواب السماء والجنة مشرعة، وأبواب النار مغلقة موصدة؛ ليسهل علينا الدخول في تلك الجحافل المعتَقة كل ليلة.
أثمّ نكزة وحافز يوقظ فيك طموح الدخول ضمن ذلك الركب أكبر من مجرد العلم بأن قوائم الأسماء تصعد كل ليلة؟
أيُّ غبنٍ أعظم من أن تُكتب تلك الأسماء وأنت حاضر ثلاثين أو أربعين سنة، وأنت تصوم وتقوم، ولا يُكتب اسمك ضمن ذلك الجحفل النوراني العتيق؟
قل لي بربك: ألم تحدثك نفسك ليلةً من رمضان، بطولها وعرضها، أن صريف أقلام الملائكة ربما جرت باسمك عتيقًا من النار، مزحزحًا عنها، واضعًا رحله في الجنة مع ركب العتقاء؟
إن لم يدر بخلدك الأمر فأنت محروم… وكيف يُكتب اسمك وأنت لاهٍ عن الشغف بأن يُكتب اسمك؟
وإن فكرت في الأمر يومًا ثم نسيت، فهل عاتبت نفسك كيف تنسى فرصة نجاة الأبد؟
وإن كان الأمر حيًّا بوعيك، حاضرًا في وجدانك، مهيمِنًا على تفكيرك كل ليلة، فهل فكرت أن تنظر في أمرك: هل تستحق أن تكون ضمن تلك القوائم؟ أم تجد عملك قاصرًا عن رتبته، فتبكي على أعتاب لوم النفس، فتشمر… حتى لا تنسلخ ليالي رمضان عنا، وتفوتنا القوائم، وترغم أنوفنا الحسرة…
رحمتك يا الله.




تعليقات